اكتشاف المغناطيسية المتبدلة في مادة جديدة يفتح الباب لحواسيب أسرع
رصد فيزيائيون أمريكيون دليلاً تجريبياً على المغناطيسية المتبدلة في مادة طبقية جديدة، شكل حديث من المغناطيسية قد يمهّد لإلكترونيات أسرع وأوفر طاقة قائمة على سبين الإلكترون.

تمكّن فريق بحثي من جامعة سنترال فلوريدا، بقيادة الباحث مادهاب نيوبان، من رصد دليل تجريبي على ظاهرة فيزيائية حديثة الاكتشاف نسبياً تُعرف بـ"المغناطيسية المتبدلة"، وذلك في مادة طبقية جديدة تحمل التركيب الكيميائي Co₁/₄TaSe₂، في إنجاز علمي قد يمهّد الطريق لتطوير حواسيب أسرع وأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، معتمدة على خاصية سبين الإلكترون بدلاً من شحنته الكهربائية التقليدية.
وتمثّل المغناطيسية المتبدلة فئة ثالثة من الترتيب المغناطيسي، تجمع بين أفضل خصائص فئتين مغناطيسيتين معروفتين منذ عقود: المغناطيسية الحديدية، التي تتجه فيها العزوم المغناطيسية لذرات المادة في الاتجاه نفسه فتُنتج مجالاً مغناطيسياً قوياً كما في الحديد والنيكل، لكنها تُحدث في الوقت نفسه مجالات مغناطيسية شاردة غير مرغوبة تصعّب تقنياً تصغير الأجهزة وتكديسها بكثافة عالية؛ والمغناطيسية المضادة للحديدية، التي تتعاكس فيها عزوم الذرات المتجاورة فيتلاشى معظم المجال المغناطيسي الكلي، متجنبة بذلك مشكلة التشويش المغناطيسي، لكنها تفتقر في الوقت ذاته إلى الخصائص الكهربائية اللازمة لاستخدامها عملياً في تطبيقات تقنية متقدمة.
وتجمع المغناطيسية المتبدلة بين مزايا هذين النوعين دون عيوبهما: فهي قادرة على العمل دون توليد مجالات مغناطيسية شاردة مزعجة، مثل المغناطيسية المضادة للحديدية، بينما تحتفظ في الوقت نفسه بقدرة توليد وكشف تيارات سبينية، أي تدفقات موجَّهة لدوران الإلكترونات الذاتي دون تدفق صافٍ بالضرورة للشحنة الكهربائية، وهي الخاصية التي تجعلها جذابة تقنياً على غرار المغناطيسية الحديدية.
واستخدم الفريق البحثي تقنيات مطيافية متقدمة تُعرف بمطيافية الانبعاث الفوتوني المحلَّلة زاوياً، وصيغتها المحلَّلة سبينياً، وهي أدوات تجريبية تقيس طاقة وزاوية الإلكترونات المنبعثة من سطح المادة عند تسليط الضوء عليها، بهدف رسم خريطة دقيقة لبنيتها الإلكترونية. ورصد الباحثون من خلال هذه القياسات ظاهرة "انشقاق النطاق الطاقي" بأقطاب سبينية متعارضة، وهي بصمة تجريبية تُعدّ دليلاً مميزاً وموثوقاً على وجود المغناطيسية المتبدلة في المادة المدروسة.
وتنتمي المادة المدروسة، Co₁/₄TaSe₂، إلى فئة أوسع من المركبات تُعرف باسم "ثنائيات كالكوجينيد الفلزات الانتقالية"، وهي مواد طبقية تتكون من ذرة فلز انتقالي مرتبطة بذرتين من عناصر الكالكوجين كالسيلينيوم، وتتميز بأن طبقاتها الرقيقة جداً ترتبط ببعضها بقوى ضعيفة نسبياً، ما يسمح بفصلها وإعادة تركيبها في بنى فائقة الرقة، وهي خاصية قيّمة في الإلكترونيات الناشئة إلى جانب كونها قابلة للتحكم بسهولة أكبر أثناء الدراسة التجريبية مقارنة بالمواد الأكثر تعقيداً.
وتفتح هذه الخصائص المجتمعة الباب لتطبيقات مستقبلية واعدة في مجال الإلكترونيات الدورانية، إذ يمكن أن تمهّد المغناطيسية المتبدلة، بفضل غياب التشويش المغناطيسي وقدرتها على توليد تيارات سبينية في آن واحد، لتطوير ذواكر فائقة السرعة، وشبكات اتصال تعمل في نطاق التيراهرتز، وبنى حاسوبية من الجيل القادم تستهلك طاقة أقل بكثير من الرقائق الإلكترونية التقليدية التي تعتمد كلياً على حركة الشحنة الكهربائية.
وبالنسبة للمنطقة العربية، تكتسب هذه الاكتشافات أهمية متزايدة في ضوء التحولات نحو اقتصاد المعرفة التي تقودها دول الخليج؛ إذ تستثمر المملكة العربية السعودية والإمارات مليارات الدولارات في مراكز البيانات والحوسبة ضمن مبادرات رؤية 2030 وبرامج التحول الرقمي الوطنية. وسيكون تطوير رقائق مستقبلية أقل استهلاكاً للطاقة قائمة على ظاهرة المغناطيسية المتبدلة ذا قيمة استراتيجية لدول تسعى إلى خفض الاستهلاك الكهربائي لمراكز بياناتها في ظل مناخ صحراوي حار يُضاعف أعباء التبريد.
ويرى علماء المواد أن هذا الاكتشاف يضيف لبنة مهمة إلى مجال سريع التطور، حيث لم يتم تأكيد وجود المغناطيسية المتبدلة تجريبياً في عدد محدود جداً من المواد حتى الآن منذ تنظيرها لأول مرة، ما يجعل كل مادة جديدة تُضاف إلى هذه القائمة ذات قيمة كبيرة لفهم هذه الظاهرة بشكل أعمق، وتحديد المواد الأنسب لتطويرها تجارياً في المستقبل. ومع ذلك، لا يزال الطريق طويلاً بين هذا النوع من الاكتشافات الأساسية في المختبر وبين تطبيقها الفعلي في أجهزة إلكترونية تجارية جاهزة للاستخدام، إذ تتطلب هذه النقلة سنوات من البحث الإضافي حول استقرار هذه المواد وقابليتها للتصنيع بكميات كبيرة وبتكلفة معقولة.
المزيد من الهندسة الإلكترونية

مشروع ميغاترون الحاسوبي يكشف كيف أعادت أولى نجوم الكون تشكيل محيطها
أطلق باحثون من جامعة باث أربع دراسات ضمن مشروع محاكاة عملاق يربط بين رصد تلسكوب جيمس ويب لمجرات الكون الوليد وبين الآثار الكيميائية المحفوظة في أقدم نجوم مجرتنا، لفهم كيف أعادت أولى النجوم تشكيل الكون المبكر.

مادة جديدة تنتج الهيدروجين من الماء بالضوء وحده دون محفزات معدنية مكلفة
طوّر باحثون في جامعة ولاية أوريغون مادة تُعرف باسم BVR-19 قادرة على إنتاج الهيدروجين من الماء باستخدام ضوء الشمس فقط، من دون الحاجة إلى محفزات معدنية غالية الثمن، في خطوة قد تخفض كلفة الهيدروجين النظيف.

فوهة أوكلاهوما القديمة أصغر مما ظنّ العلماء بمئة مليون سنة
أعاد علماء من جامعة تكساس في أوستن تحديد عمر فوهة الارتطام الواقعة تحت مدينة أميز في أوكلاهوما، باستخدام تأريخ الزركون، فتبيّن أنها أصغر بنحو مئة مليون سنة مما كان معتقداً.

مجالات مغناطيسية بدائية قد تفسر أحد أكبر لغز الكونيات: توتر هابل
يقترح علماء فلك أن مجالات مغناطيسية بدائية ضعيفة جداً تشكلت لحظات بعد الانفجار العظيم قد تكون المفتاح لحل التناقض المستمر بين طريقتين لقياس معدل تمدد الكون، المعروف بتوتر هابل.

تقلبات الفراغ الكمي تعزز قدرة التوصيل الفائق دون أي تلامس مباشر
أظهر باحثون صينيون أن تقلبات الفراغ الكمي داخل تجويف تيراهرتز رفعت درجة الحرارة الحرجة لمادة فائقة التوصيل بنسبة 5.4%، في أسلوب تحكم جديد غير تلامسي.

عينات تشانغ آه-6 القمرية تكشف كبسولة زمنية مغناطيسية نادرة
اكتشف علماء صينيون حديد غاما النادر محفوظاً في زجاج ارتطامي ضمن عينات القمر الصينية، في اكتشاف يفتح نافذة على تاريخ المجال المغناطيسي القمري القديم.